البحرين على شفا حفرة من النار... فمَنْ ينقذنا؟
البحرين على شفا حفرة من النار... فمَنْ ينقذنا؟
إلى مَنْ يهمّه الأمر...
الوسط - عادل مرزوق
يونيو من العام 2008، الطقس في البحرين كعادته؛ مشحون بغبار الصيف التي تعوّدت عليها رئات البحرينيين وأجسادهم المتعبة. حافلات السفر والطائرات تتزايد في مطار البحرين إذ ستبدأ موسماً جديداً؛ لتعلن عن هدنة «سياحية» لهذا الشعب المُدمن على «السياسة».
الصيف هنا نقمة باطنها رحمة؛ ستهدأ خلال الأيام القليلة المقبلة الصفحات الأولى في صحافتنا المحلية من زخم صُراخ نواب جمعية الوفاق الوطني الإسلامية من جهة، وصُراخ نواب سائر الجمعيات السياسية الأخرى من جهة أخرى. وعلى الرغم من هذا الهدوء النسبي في الشارع لم يات إلاّ بعد فقد إثنين، بيد أنّ جدران المنازل في القرى لاتزال تعج بالكتابات بعد أن ارتاحت لثلاث سنوات من زيارة فرشاة الطلاء اليومية، لا يزال أيضاً، المكتب الإعلامي للنائب السعيدي يصدر بياناته كالعادة، ويتجاهلها الكثيرون لكن البعض لايزال يعتبرها نافعة لإشعال الفتنة!.
هذا الهدوء تتخلله أزمة بعثات مرتقبة تعوّد عليها طلبة البحرين حتى ألفوها، ستضاف هذه الأزمة لملف التمييز الطائفي وتنتهي بهدوء. هناك أيضا، ساحل جديد - ساحل كرباباد والسنابس - يتعرّض للاغتيال وهو أيضاً حدث لا يبعث على الاستغراب فـ «لا يضر الشاة سلخُها بعد ذبحها».
هدوء لا يعني ألبتة أنْ يطمئن الناس في بيوتهم، فالذي سيأتي بعد هذا الهدوء المسكون بالجمر لا يبدو سعيداً. لا أحد يملك القدرة على أنْ يتنبأ بما قد يجري على هذه الجزيرة الصغيرة حين تعود قوافل المسافرين لبيوتاتها!، ولأنّ الأمر كذلك، يبدو أنّ سخونة هذا الصيف لن تنتهي بعد عودة الغائبين، بل ستبدأ!.
الوفاق و»لو .. الشيطان»
ستبدأ هذه القراءة عند سؤال مركزي بسيط «ماذا بعد كلّ هذا؟!»، ويرتكز هذا السؤال على محاولة قراءة مصير مجمل العملية السياسية في البحرين. وعلى الرغم من أننا لن ننتهي عند نتائج نهائية نعلن من ورائها عن مصير هذه العملية السياسية بالإعلان عن نجاحها أو فشلها، إلا أننا نتطلع بطريقة أو باخرى، إلى أنْ نضع بعض النقاط على الحروف بوضوح وصراحة لا تُنقِصها المجاملات. الهدف من هذه الصراحة أيضاً، أنْ يلتفت اولئك الذين يهمّهم مستقبل هذه العملية - إنْ كان هناك مَنْ يهتم - إلى ما آلت إليه من فوضى، وما قد تصل له من نتائج ليست في الحسبان.
ماذا لو أنّ المعارضة ممثلة في نوّاب جمعية الوفاق الوطني الإسلامية فشلت فيما تبقى لها من عمر داخل المجلس النيابي في أنْ تقنع قواعدها الشعبية بجدوى ذلك القرار الذي انتهى إليه مجلس شوراها العام 2006 بالمشاركة في الانتخابات النيابية بعد مقاطعته؟، ماذا أيضاً، لو أسرعت مكنة الوفاق النيابية في اتخاذ قرارها بالانسحاب من المجلس النيابي، إنْ هي أخفقت في تحقيق ما تعقد عليه آمالها الأخيرة فيما يتعلّق بالموازنة العامّة الجديدة للدولة؟. ما الذي سيحدث؟، وما هي المنافذ المدنية لضمان استمرار العملية السياسية في البحرين إنْ كانت المعارضة جرّبت الخيارين (المشاركة/ المقاطعة) من دون جدوى؟.
إنْ كان للعملية السياسية في البحرين منحنيان اثنان عبر «المقاطعة» أو «المشاركة»، فإنّ عودة الوفاق - وجمعيات المعارضة كافة - للخيار الأوّل لن تكون مماثلة لما كان عليه الوضع السياسي في العام 2002 حين أقرت الجمعيات المعارضة خيار المعارضة في موقفها تجاه إقرار دستور 2002. لقد تغيّرت عدّة أشياء ما بين العام 2002 والعام 2008، لم يكن في العام 2002 ثمة تقرير مثير للجدل يعبث بأذهان الناس في صورة الدولة التي تُحاول القضاء على طائفة بأكملها. لم يكن الناس حينها يملئون جدران منازلهم والطرق العامّة بالكتابات والاحتجاجات التي عادت اليوم بلغة انتقامية وأكثر عدائية. لم تكن الطائفة الشيعية بصفتها أكبر فصائل المعارضة تحديداً، تعتقد بأنها مستهدفة من قبل الدولة عبر التقرير المُثير للجدل والعديد من السياسات التمييزية الطائفية في وزارات الدولة ومؤسساتها والتي لم تنته بعد وتباطأت الدولة في علاجها. لم تكن حركة «حق» الخارجة عن حاضنة قانون الدولة وسلطتها، موجودة أو فاعلة كخيار بديل للوفاق والجمعيات السياسية كافة. والأهم من ذلك، كانت السجون البحرينية في العام 2002 خاوية وليست كما تبدو الآنَ. بالطبع، تستطيع الدولة أنْ ترفض اعتبار الموقوفين اليوم في السجون البحرينية معتقلين سياسيين، وهو حقها. لكنها أيضاً، لا تستطيع أنْ تقنع الناس بذلك مجبرينَ، إنْ كانوا قد فقدوا أهم مفاصل تمام وصحية العلاقة بين الدولة والمجتمع، وهي «الثقة» في أنْ تكون الدولة ممثلة لهم أو تكون أجهزتها الأمنية ملتزمة بما أقرّه ميثاق العمل الوطني للمواطن من ضمانات وحقوق.
إلى أين إذاً، ستتجّه بوصلة العملية السياسية إنْ خرجت الوفاق من تجربتها النيابية خالية اليدين؟، لا يملك الوفاقيون رموزاً دينية( قادة) نواباً إجابة تامّة أو واضحة لهذا السؤال الصعب. ولا تدرك الدولة خطورة أنْ تكون المعارضة ممثلة بالجمعيات السياسية عاجزة عن الإجابة على مثل هذا السؤال الذي يبدو أنّ الدولة تصرّ على أنْ تصل المعارضة له مع شارعها في لحظة خيارات صعبة ومُؤلمة للجميع. وخلاف أنْ تكون «حق» بخطابها السياسي ومرجعياتها السياسية الحاضنة الرئيسية لشارع المعارضة بأكمله، فإنّ الجمعيات السياسية ستكون مُجبرة على أن تكون تشكيلاً سياسياً جديداً لا أحد يستطيع التنبؤ به أو تحديد ماهيته.
إذاً، يبدو أنّ الخيار الوحيد الذي يبدو مُتاحاً ومنطقياً للوفاق وشقيقاتها إنْ فشلت التجربة النيابية، هو أنْ تلجأ - قريباً جداً على ما يبدو - لتصعيد مواقفها السياسية تجاه الدولة. أوّلاً، حتى تكون هذه الجمعيات المُعارضة مع المستوى التصاعدي للعملية السياسية بمجملها من جهة، وحتى تضمن ألا تكون حركة حق الموئل النهائي لقواعدها الشعبية ثانياً.
الانفلات الأمني حينها سيكون سهلاً، والدولة التي عوّدتنا على أن تُصعِّدََ من مواقفها مع كلّ تصعيد للمعارضة ستنزلق في معادلة العنف المُضاد والأشد مباشرة.
ليس المقصود من هذه الفرضية أنْ لا خيار سوى العنف، لكن مَنْ يستطيع أن يضمن الشارع الذي يبدو أنه أصبح أصعب وأكثر تعقيداً عمّا كان عليه في التسعينيات.
تستطيع الوفاق والجمعيات السياسية أنْ تعود للخيار الأوّل وأنْ تبدأ في إعادة ترتيب أوراقها للمطالبة وبالطرق السلمية في حوار وطني جديد إنْ فشلت آخر آمال الشارع في المرور من بوابة هذا المجلس النيابي بتركيبته الحالية، لكن ذلك كلّه، يحتاج إلى أنْ يكون شارع المعارضة مُؤمناً بضرورة تغليب هذا الخيار وهو ما لا يبدو ممكناً خصوصاً أنّ الشارع بات ينساق بسرعة للخطابات التأزيمية التي لا تعتقد بوجود حل ممكن عبر العملية السياسية بشكلها الحالي، وهو في المحصلة ما يجعل الخيارات صعبة ومعقدة على الوفاقيين والجمعيات السياسية في المعارضة ككل.
في الجهة المقابلة، وكما يذهب رئيس برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا RUSI دانييل نييب في مقالته «هل يمكن أنْ تكون الأزمات ضرورة للديمقراطية؟»، يمكننا أنْ نعتبر مجمل هذه الازمة التي تبدو نتائجها مُخيفة، بارقة أمل نحو حل وشيك أو حوار وطني يضمن تصحيح مسارات المشروع الإصلاحي ويعيده من جديد للطريق الأصوب.
دانييل الذي يؤكّد أن الأزمات هي في حد ذاتها ضرورة ديمقراطية، يثمن تلك الأنواع من الحلول التي تنشأ عبر إحساس جميع الأطراف بأنّ آفاق المماطلة في إيجاد حلول جذرية باتت قصيرة وغير مجدية، وأنّ قرارات حاسمة تنتهي بحلحلة الملفات العالقة باتت ضرورة وطنية من المستوى الأوّل. وفي هذا السياق تحديداً، نجد أنّ العديد من الأطراف السياسية في البحرين قد دعت بالفعل مُؤخراً، لحوار وطني جديد على مختلف الثنائيات القائمة بهدف الوصول لبيئة سياسية جديدة تكون قادرة على احتضان مجمل الخلاف الوطني داخل البحرين. وقد يكون هذا الحوار الوطني - إذا ما بادرت الدولة للقبول به والمشاركة فيه - الأمل الوحيد المتبقي أمام الوفاق والجمعيات السياسية المُعارضة في خضم هذا الوضع المضطرب.. لتتمة المقال إضغط هنا.

