ابتهال سلمان... ذاكرة الجنسية مع فارق التوقيت
صحيفة الوسط البحرينية- عادل مرزوق
ما بين ذاكرتين، الفاصل بينهما 52 عاماً، تدور رحلة صناعة ذاكرة الجنسية في البحرين. الموضوع هنا واحد، وهو معنى «أن تكون بحرينياً»، والذاكرتان صنيعتا الإنسان البحريني نفسه، إلا أن إحدى الذاكرتين لا تشبه الأخرى. ثمة بالتأكيد فارق ما، بين ما تختزله ذاكرة مدونة بحرينية شابة تعتقد بثنائية جديدة في جنسيتها بين أصلية مشوهة وجديدة معتبرة، وبين ذاكرة رجل متوفى، امتنع لأكثر من ثلاثين عاماً عن أن يستبدل جنسيته بأخرى. ويستحق هذا الفارق منا، أن نبحث فيه، وأن نقرأه بروية.
الذاكرة الأولى، تشكلها مدوّنة بحرينية اسمها ابتهال سلمان. وابتهال فتاة إنترنتية نشيطة، لا تعتقد أن في طلبها المنشور على مدونتها الإلكترونية ما هو غريب، أو ما يستحق على الأقل، أن يضع أحد ما علامة تعجب غبية. ببساطة، تطالب هذه المدوّنة البحرينية بنزع جنسيتها البحرينية الأصلية عنها واستبدالها بأخرى جديدة. هذا كل ما في الأمر!
تتقدم ابتهال برسالتها إلى من يهمه الأمر - عبر مقال منشور في مدوّنتها بعنوان «طلب الحصول على الجنسية البحرينية» - برغبة تبدو من الوهلة الأولى خربشة تدوين، لكن ابتهال، تردف هذه الخربشة الافتراضية بصور وحجج ودلالات تستحق الوقوف عندها، وبما يجعلنا، نعتبرها أكثر مما قد تحمله خربشة تدوينية صاغها المدوّن في عجالة من أمره. قد تكون ابتهال سلمان خلاف خربشة التدوين، الفتاة الأولى التي تجرأت على أن تختزل بموضوعها ذاكرة البحرينيين عن بحرينيتهم اليوم في العام 2007، وهو ما يجعل من موضوعها فريداً، ويستحق التأمل والمراجعة.
الذاكرة الثانية. ذاكرة رجل بسيط اسمه الحاج يعقوب يوسف مرزوق، هو والدي، أوان الذاكرة 1955، ولطالما روت والدتي السعودية الجنسية تفاصيل هذه الذاكرة، تقول والدتي: «كنت أطلب منه كل يوم أن يذهب إلى دائرة الأحوال الشخصية في القطيف، أملاً في أن يحصل على الجنسية السعودية التي كانت متاحة آنذاك للتجار البحرينيين في القطيف، لكنه كان يقول: أنا لن أتنازل عن جنسيتي البحرينية، كل الناس يتمنون جنسيتي لكنهم لا يحصلون عليها». في ذلك العام نفسه، كان إعلان جديد للجنسية البحرينية قد صدر فعلاً. ذاكرة الحاج يعقوب شهدت تفاصيل تداعياتها كل مساء. بين إلحاح والدتي، وتمنع والدي الذي يستحق أن يكون في مخيلتي أكثر مما قد تعنيه مفردة «ذاكرة الجنسية».
يحدد نص الإعلان الصادر في 1955 اشتراطات الحصول على الجنسية البحرينية. الشرط الأول «أن يكون مالكاً لملك غير منقول مسجلاً باسمه في دائرة الطابو». الثاني، «أن يكون مقيماً في البحرين باستمرار لمدة لا تقل عن عشر سنوات». الثالث، «أن لا يكون بضده شيء في سجلات الشرطة والجوازات». الرابع، «أن يضع طابعاً حكومياً بمبلغ 25 روبية (خمسة وعشرون ربية) على طلب الجنسية، وهذا المبلغ لا يعاد إلى صاحبه في حال الرفض». والخامس، «أن يحسن التكلم باللغة العربية». حرر البيان في 28 جمادى الثانية 1374 هـ، الموافق 20 فبراير/ شباط 1955، وبقي معمولاً به حتى العام 1963، الذي حمل معه قانوناً جديداً للجنسية، ثم تم تعديله مرتين، ولايزال معمولاً به مع «لغط» كبير يدور حوله.
لايزال ملف «التجنيس» و»المجنسين» ما بين الذاكرتين (ذاكرة الحاج يعقوب يوسف مرزوق العام 1955، وذاكرة المدوّنة ابتهال سلمان 2007) مفتوحاً للتجاذب في أروقة الصراع الاجتماعي والسياسي في البحرين، والجديد في هذا الملف أنه بدأ يتطور بحدة بعد الانتخابات النيابية الماضية العام 2006. أكثر التطورات كان اتهام التيارات الوطنية في شقها المعارض الدولة بتسيير المجنسين لحسم أكثر من دائرة انتخابية لصالح تيارات الإخوان والسلف، وإسقاط مرشحي التيار الوطني المعارض. وأقلها، تعددت الإصدارات والبحوث والمقالات التي وضعت الدولة في قفص الاتهام المباشر، أما تهمتها، فهي ببساطة: الاستمرار في سياسية التجنيس المفتوحة حتى يصل المجتمع البحريني إلى معادلة طائفية جديدة في البلاد.... لتتمة المقال إضغط هنا