
رجل في أنفاسه حزن على فقيدتين، صديقة ووطن
ليلى فخرو.. لا نتذكرك لأننا لا ننساك
قاسم حداد
( 1 )
(الدولة هي أشد الوحوش بروداً) (نيتشه)
( 2)
(لا يستطيع المرء أن يكون متأكداً من أن هنالك شيئاً يعيش من أجله، إلا إذا كان مستعداً للموت في سبيله) (تشي غيفارا)
( 3 )
(لقد قلت لك، أيُّها الرئيس، أنَّ كل ما يجري فوق هذه الأرض، غير عادل، غير عادل، غير عادل. وأنا دودة الأرض، زوربا الحلزون، لا أوافق على ذلك))نيكوس كازانتزاك)
ليلى
يا صديقة أرواحنا،
سأعود إلى مكتب مؤسسة النديم ولن أراك، لن أراك للمرة الأخيرة، وإلى الأبد، سيكون الجميع هناك ناقصاً، ناقصاً بشكل هائل، صديقاتك وأصدقاؤك في النديم يشعرون معي بالوحشة الرهيبة الآن، الآن فقط، على رغم غيابك الطويل عن المكتب بسبب المرض، لكنهم جميعاً كانوا يشعرون بأنك موجودة في الوقت والمكان، معهم، تمرين على مكاتبهم، وتربتين بأصابعك النحيلة على أكتافهم الغضة الطرية التي تشتد بوقوفك بجانبها، مثل أم وأكثر قليلاً من الصديقة.
يا صديقة أرواحنا،
سوف يدخل الصديق عبيدلي العبيدلي المكتب الآن، من دون أن يحمل للجميع وعداً، ولو طفيفاً، بأنك في سرير أحلامك، تهدينهم السلام، وأنك تستقرين هناك، فيما ينتظرون طلتك الحيّـة عليهم. لن يضطر عبيدلي هذه المرة إلى المسارعة في إنجاز بعض مهماته في المكتب ليخرج عائداً إليك، تاركاً للكائنات الحميمة، التي احترفت انتظارك الافتراضي، لكي تصقل أمَـلَـها بكِ كلَ صباح. وسوف يصدَّني عبيدلي، بتبرمهِ الأزليّ من بؤس هندسة البشر الفانين لكونٍ معطوب، كلما بادرته بالسؤال عنكِ وعن صحتكِ، تفادياً لرغبتنا المشتركة المكبوتة في الإجهاش ببكاء تاريخيِّ على لحظتك الغالية وهي تتسربُ من بين أيدينا، دون أن نقوى على فعل شيء واحد صغير يَـحوْلُ دون ذهابها، فنفقد، ببطء النصل، نموذجاً نادراً من المخلوقات : زوجة ورفيقة دربٍ له، وصديقة لي.
يا صديقة أرواحنا،
في هذه التفاصيل بالذات، التفاصيل الحميمة التي لا تضاهى، سوف يكمن الجمال الإنساني في مكانتك المميزة كريشة التاج التي تمنحينها لكل من يعرفك في سياق الحب والعمل. لذلك سوف أشعر بأن ثمة تفاصيل صغيرة دائماً، لا ينبغي العبور عليها في علاقتنا مع الناس، لئلا نفقد طبيعتنا الإنسانية، فيما نزعم انهماكنا في سعادة البشر. تفاصيل كنت تنسجينها، بعفوية ريشة الجناح، مع من يتصل ويعمل ويتقاطع معك، الأمر الذي سوف يمنحنا طاقة لتأمل أحوالنا في اللحظة الصاعقة التي هندسها القدر لمغادرتك الأخيرة، فنبدأ التأكد والثقة بأننا لا نحتاج لتذكرك، لأننا لا ننساك،
يا صديقة أرواحنا، التي ليست للنسيان.
يا صديقة أرواحنا
تغادرين، بالضبط، في اللحظة الدقيقة ذاتها التي سنحتاج فيها كثيراً لدرسك المميز في الحياة، الدرس الذي يعرفه الكثيرون عنك، ويحجبه الكثيرون عن حياتنا.
الدرس المتمثل في وعيك العميق لمفهوم العمل كقيمة إنسانية راقية في حياة الإنسان. العمل بوصفه جذر الكيان الإنساني وجناحه في اللحظة نفسها.
ولكي نقرأ درسك بما يليق بتجربتنا وحاجة حياتنا المستمرة في تعثرها، لابد أن نرى الدرجة العالية من الحسم المبكر لتميز تجربتك، متمثلة في اختيارك الباهر لمشروع التعليم في مناطق الثورة البكر، وانهماكك الفذ في تدريس أبجدية المعرفة لأطفالٍ بالكاد يكتشفون الحياة.
منذ تلك اللحظة، خصوصاً، سوف يبدأ التأسيس العميق لمعنى العمل الثوري في حياة الإنسان، حيث المعرفة هي السلوك الأقوى، والأبقى، والأجمل، في ذلك المشروع الحالم الذي، كلما فشلت عناصره ومكوناته وآلياته في مكان وزمان، يظل عنصر التعليم والمعرفة حجر السر الذي لايُـنسى، مما يفسر فعلا كيف أن الذين بدأوا معك ذلك المشروع لا يزالون لا ينسون، كلما نسوا، تلك المرأة التي علمتهم أبجديتهم الأولى وساعدتهم على رسم حروف المستقبل وقراءتها.
ذلك هو درسك الأول، درسك الأهم الذي يضع المعرفة في مكانها الصحيح من حياة الإنسان، المعرفة التي هي حصان العمل وعربة المستقبل، والتي سوف تظل الفعل الثوري العابر للأيديولوجيا والسياسة والأحزاب والأنظمة، متغلباً على الهزائم، متصلاً بالأمل الكوني في الإنسان.
يا صديقة أرواحنا،
هو ذلك الدرس الجميل الذي يصدر عن وعي الإنسان الأصيل بقوته في نقطة ضعفه الدائم. حتى أنه إذا ما هُـزمَ في كل مكان، لن يُـهزم في مكان المعرفة والعلم، كلما تيسر له امتلاكهما.
وهذا ما سوف يستمر في داخلك أيتها الصديقة بعد أن ينهزم مشروعنا الحالم في تغيير العالم، تلك الهزيمة التي عمل كل منا على تفاديها بطريقته الخاصة، كنتِ أنت من بين نادرين لم يتمكن العسف من هزيمتهم في داخل الروح، فقد كانت الروح محمية بفعل الثقة في المعرفة.
ثقة أن بذرة العلم أكثر عمقاً وتجذراً من جرافات العسف، وأن موهبة الأمل أكثر تشبثاً بطبيعة العمل.
يا صديقة أرواحنا،
حتى إذا ما استعدتِ حقك الصغير في عودتك للبيت، وحتى إذا ما اخترتِ مشروعاً شخصياً للسعي نحو تحقيق أحلام التغيير، لم تخطئي، وليس مصادفة، أن تختاري ما يتصل بتغيير الإنسان بوسائط المعرفة والتقنية،
التقنية ذاتها التي لا تزال معظم معارضتنا تقصُـرُ عن وعي دورها الحاسم في نضال اللحظة الجديدة،
التقنية ذاتها التي تسعى مؤسسات العسف العام، هذه اللحظة بالضبط، بصلافة، لتوظيفها في تزييف إرادة الناس وتشويه اختياراتهم،
التقنية ذاتها التي لا تزال مشروعاً مغيباً أو محجوباً أو مصادراً في أهم صروح العلم في بلادنا، حيث تنحدر أسمى المهمات المقدسة لحريات المعرفة، مختزلة في تلقين الكائن الجديد بالأصول الواجبة لحدود الحشمة في الملبس والمأكل والسلوك، إمعاناً في الاحتقار الفظ لعقل البشر وطبيعته الإنسانية، كمن يريد أن يعلّم الجناح عادة الطيران، لتصبح الجامعة ملحقاً بتقنية الماضي وأيديولوجية العتمة.
يا صديقة أرواحنا،
ليس مصادفة أن تنسجين مشروعاً يصدر عن التوق الجديد لأجيال بلادك’ وتشاركينهم شهوة التحديق في مستقبل هو دائماً ولا يزال مهدداً ومتعثراً وعرضة للعطالة، وتضعين روحك في شرفة أرواحهم، لكي تتأكدي وتؤكدي لنا بأن درس المعرفة والعلم هو الدرس الثوري بامتياز، هذا الدرس الذي لا تتخلى عنه روحك القوية والذي يجعل العدل والخير والجمال حلمنا الأبدي، متخطيا الوقت والزمان والأساليب، فالمستقبل هو من صناعة الأمل العامل.
يا صديقة أرواحنا،
أعرف أن في بيت وطنك الحميم نساءً كثيراتٍ مثلك، رفيقات لكِ، جئنَ معظمهنَّ من مصدرك، وذهبن مذهبك بالطرق الشتى، يواصلنَ سعيهنَّ الآن، بالقناعات الإنسانية ذاتها، والصدق ذاته والزهد ذاته وبالتضحيات الصامتة ذاتها، وهنَّ معكِ منذ الدرس والمكابدات، ولهنَّ، مثلك، المكانة التي تعرفين نفسها، فلستِ قادمة من الأساطير. بيتك، وطنك، تجربتك، نساءٌ تقاسمتِ معهنَّ العطاءَ والبذلَ في الحلِ والترحال، نساء أعرف منهنَّ كثيرات كُـنّ دائماً في جهة قلبك فيما تنهمكين في غزل قمصان المستقبل في السفر والإقامة، وأدرك أن خسارتهنَّ الآن أكثر مني.
أعرف ذلك، وتعرفين،
غير أنك تحسنين هندسة وقت ذهابك، لإطلاق الضوء الشاسع،
مثلما فعلتِ بتفاصيل غيابك، في ظلامنا الفاجع.
فلماذا تذهبين الآن
في اللحظة التي سنحتاج لدرسك، الصادق، الصارم، والصريح، في ذات اللحظة التي يمرّغ الكثيرون أجملَ أحلامكِ في التضرع وتهرّء الجوخ وشطرنج الضمائر، فيما يواصلون مسخ الحلم وهو يتحدّر من لحم هيكلنا الإنساني تحت وطأة العسف والفساد وجلافة الجهل.
تذهبين عنا، في لحظة يتعثر وطنك في أكثر مشروعات مستقبله غموضاً وارتباكاً وعرضة للشِـراك والخدائع والاستهتارات الفجّة بالتاريخ. وطنك الذي صغتِ، مع رفاق لك كثيرون، طبيعته الحضارية المتميزة، هو الآن في لحظة المسخ والتفسخ الكبيرة التي يهندسها له رعاةٌ يَـقْـصُـرونَ عن وعي عبقرية روحهِ التاريخي الحضاري الذي لا يقل عن الشمس.
تغادريننا، في الوقت ذاته، وربما في اليوم نفسه، (بلا مصادفة ولا ارتجال)، فيما تذهب معارضتنا ( في أطرف أزماتها، متهتكة، مرتجفة، مثل هدفٍ متاحٍ).
المعارضة، بقضّها وقضيضها، تذهبُ، (بلا صرامة)، إلى مؤسسة (متوترة، منقضَّةً، مثل قوس)، طارحةً عليها (سؤال) الأزمة، فيما ينبغي مجابهتها بـالـ (مساءلة) في شرفة الشمس.
المعارضة برمتها، متدافعة بالمناكب، تطرحُ على مؤسسة حكمٍ (صادرٍ) سؤالَ : (ما العمل؟)، في غفلة الناس، بملفها المكنون في الإبط، تعرض قدرتها على تبريد الجحيم بمروحة المساومات واقتسام الهبات والأسلاب، كمن يريد أن يتدارك الفضيحة الشاملة وتفادي الخسارات الفادحة في الجانبين، (فعلى أي رومٍ نَـميلُ ؟).
كل ذلك يا صديقة أرواحنا نهار مغادرتك،
دون أن يتاح لنا تمييز الذهب الأصفر من الدم الأحمر، دون أن يتاح لنا تبين هذا الأمر من ذاك المؤتمر وحد المؤامرة من حدود أمر الله فينا، ودون أن يتاح لنا معرفة من يشعل النار في السفينة، ومن الذي يهرب من حريقها، ودون ان يتاح لنا معرفة مَـنْ ينقذ من، دون أن يتاح لنا اكتشاف كيف يحسن البعض إطفاء النار بأغلى براميل النفط، من غير أن يكون في شبهة مَـنْ يفسد ملحاً فاسداً.
يا صديقة أرواحنا
تذهبين، بعد برهة كثيفة من سبات مرض طويل، زاهدة في (مكرمة) تفتح حفلة المساومات على آخرها، فتغادرين قبل أن يبدأ البازار القبيح في تبادل أنخاب الصمت عن الجنازة الوشيكة لمشروعٍ هزيلٍ، يسعى مهندسو الكوارث لأن يستكملوا به مثلنا الشعبي التاريخي البليغ: (عِرْس في ظرف ختان)، حيث تضمن المؤسسة حصتها التاريخية في ضمان الأرض بمن عليها وما تحتها، وينال الآخرون حصتهم في عار الإسهام في إبقاء الوضع كما هو عليه، حفاظاً على (روح) العائلة، تيمناً بـ (فرانكشتاين).
الآن، يتحتم علينا فعلاً أن نتبينَ من هو (المعرس) المتوّج بالدست وحظ الأنثيين، ومن هو الذي تعرّض للختان التاريخي، مخصياً بثلجة الحديد، مبدياً قدرة الصبر والاحتمال والفطنةٍ القليلة، ملتحقاً بالسلف الكالح بلا ذرية ولا خلف.
الآن، يتحتم أن نسأل:
من هو (لئلا نقول: ما هو) الشعب بالضبط.
تذهبين، يا صديقة أرواحنا بعد أن تسنى النجاح لخصوم حلمك الأثير في تبادل أنخاب (الحفل) الجماعي بين حلفاء النضال التاريخيين، في سبيل السعي الصادق والإخلاص الصارم، بمسؤولية التجربة المشتركة، لنضالٍ هو بالكاد يبدأ مرحلة اختباره الجديدة، في مجابهة (المحفل) الصلف، بوعي جديد ينهض من رماد الجهل متشبثاً بجمرة المعرفة، مؤمناً بجدارة هذا الشعب بحق النقد والنقض والكتابة والمحو، حقه في الجهر بعدم الإعجاب بما يعجب العالم قاطبة من مزاعم الصلح والإصلاح، متجاوزاً ومنتقلاً من عهد المكرمات إلى عصر الحقوق المكتسبة وتكريسها كحقوق ثابتة وليست كعطايا يتلاعب بها الواهب والموهوب.
لماذا يا صديقة أرواحنا تتركين لنا وحدنا حق عدم الإعجاب بهم وبمشروعاتهم،
يا صديقة أرواحنا
فيما تغادريننا، نريد أن نصقلَ بك ذاكرة بعضنا، هذه اللحظة بالذات، وهم يتعثرون في ارتباكاتهم منشغلين بخريطة طرقٍ مسدودة، بمعزل عن شعب، هو بشهادة التجربة، سوف يستحق دائماً، وبجدارة، أن يكون باب الطريق، وأن يكفَّ رعاتُه التاريخيون، عن إهانته واحتقاره، لمرةٍ واحدةٍ وإلى الأبد، وتركه لقدَره الحضاري، منتقلاً، باستحقاق يليق، من حظيرة الرعية المنتَـهـكة، إلى شرفة المواطنة الرحبة المتساوية الحقوق والواجبات، حرة في الحلم واليقظة.
يا صديقة أرواحنا
نريد أن نودعك بأجمل مما استقبلك به وطنك ذاتَ يوم، يومٌ غفل عنه كثيرون هنا، فيما لا ينساه الكثيرون في كل مكان، حيث الأمل والعمل لا جنسية لهما غير الحب،
نريد أن نمنحك أوسمة أحبابك، بالطريقة التي تجعلك وردة كأسنا في الحِل والترحال، في اللحظة التي نصلي، يا صديقة أرواحنا، رجاة أن لا تحملي معك أثراً لما يفعله بنا الأهلُ هنا من تنكيلٍ بأجمل أحلامنا التي نسجناها في هزيعٍ أخيرٍ من عمرٍ يوشكُ أن يفنى.
نريد لك يا صديقة أرواحنا
أن تذهبي راضية مرضية، مطمئنة بأننا لا نريد منهم شيئا، مطمئنينَ بأنكِ لم تأخذي منهم شيئاً،
ولا هم نالوا منكِ غيرَ ما تنالُ الطبيعةُ من عطرِ الزهرةِ في حديقة الله،
يا صديقة أرواحنا
تذهبين عنا، خسارةً لنا ومكسباً للجنة.
? ? ?
و قبل أن نبكي
هذي هديتنا إليك
ذريعة المستقبل المفقود
نفقدها جنوناً
أو نصلّـيها ... إليك.
هديتنا
لكي تحنو على بـشـرٍ
بهذا الكوكب المفؤود
أن ترفعْ سماءك عن كواهلنا
تميمتنا الأخيرة
طفلة تخطو على مهلٍ
ونفقدها ... إليك.