Wednesday, December 27, 2006

حشو لغة

عادل مرزوق  - صحيفة الوسط البحرينية

كلما انتهت مرحلة من العمل السياسي في البحرين كنا نصفها بالمهمة، عاجلتنا أخرى. أستحضر الآن توجيهات رئيس التحرير لنا في الاستعداد الجيد لتغطية الحوادث، ومتابعتها، وتحليلها. ولا يبدو لي، أن يوماً ما يأتينا فنهدأ.
قبل الانتخابات كان محورنا مشاركة الجمعيات السياسية المعارضة في الانتخابات النيابية، ومن ثم كان لنا أن ننشغل في التغطيات الإخبارية والتحليلية بشأن الانتخابات، ولا ضرر أن تستمر حال التأهب هذه حتى اليوم أمام هذا المجلس النيابي »القلق«، والباعث للقلق، ولا يحتاج رئيس التحرير الى إخبارنا بذلك.
يبدو الجميع - ولعلِّي في الركب - مشغولين بالعملية الديمقراطية، نحن من جهة إعلامية، والقيادة السياسية ومؤسسات المجتمع المدني ورؤساء الجمعيات السياسية من جهات أخرى. وفي خضم هذه الانشغالات والاشتغالات كان لي أن أفكر دائماً في الإجابة على سؤال بسيط: هي الوصول الى تجربة ديمقراطية بالكامل لا عُقد فيها أمر صعب... إلى هذا الحد؟
ولأصنع لي إجابة، حاولت تتبع الخطابات السياسية لشتى الأطراف الفاعلة في العملية السياسية، وكانت الإجابات عدة. إجابات الجمعيات السياسية المعارضة وجدتها جاهزة، وكذلك هي الإجابات في خطاب السلطة. كلاهما صاحب خطاب جميل الشكل والمضمون. ويبقى أن أسأل، مادامت الإجابات وافرة، أين المشكلة؟
ولأنني أيضاً، أشدّد على أن وظيفة الإعلام تقتضي أن لا يسأل الإعلامي قراءه، فالمفترض من الإعلامي أن يجيب، لا أن يسأل. وجدت ما يشبه الإجابة على أسئلتي كافة، وهي الإجابة - بالنسبة إليّ على الأقل - تبدو مقنعة. قدّم هذه الإجابة لي الباحث في علم الاجتماع السياسي »أندره كونت سبونفيل«، إذ لخص الخطاب الديمقراطي في مجمله بأنه لا يزيد عن كونه مجرد »حشو لغوي«. وأن شتى الأطراف التي تحيط بالعمليات السياسية في العالم الثالث ليست أطرافاً جادة في الإصلاح السياسي والتحديث والديمقراطية. هذه المؤسسات ليست أكثر من مؤسسات صناعة خطاب مؤثث بحشو لغوي مُتكلف، مفاده الإصلاح السياسي والنهوض نحو »التجارب المدنية« لكنه خطاب فقير الآلية فارغ تماماً.
وعليه، غداً وبعد غد، لنا ولكم أن ندخل إطاراً جديداً من الحشو اللغوي عن الديمقراطية/ الحرية/ الإصلاح/ محاربة الفساد/ المؤسسات المدنية/ الاقتصاد المفتوح/ الشفافية. ولنا أن نمارس - كإعلاميين - الدور ذاته في صناعة مؤسسات خطابية جديدة قوامها »الحشو اللغوي«. وهدفي الذي لا أخفيه - وقد يعترض بعض الزملاء الصحافيين على ذلك - هو أن أبدع أكثر في صناعة حشو »لغوي« أكثر قوة وجمالاً وإثارة. ذلك أن شيئاً مما يعنيه خطابي »أنا« أو خطاب من أحشو فيهم، لن يتحقق.

Posted by adel marzooq at 11:16:40 | Permanent Link | Comments (2) |

Thursday, December 21, 2006

فتى بني جمرة الخارج من قريته إلى حدود الدين/ الإنسان/ النضال/ الحب

عبدالأمير الجمري... حقيقة "إنسان" في عباءة "قائد"

عادل مرزوق - صحيفة الوسط البحرينية

 إطارات عدة تلك التي يمكننا الولوج منها في شخصية هذا الراحل الكبير، ذلك أنها استطاعت أن تخلق تنوعاً في حضورها، وعلى أكثر من مستوى، لتظهر شخصية الشيخ عبدالأمير الجمري في المحصلة شخصية نافذة على المراجعة والتمحيص والتحليل. أقول هذا لأعطي مبرراً كافياً لأية زاوية قد ينتصر أي واحد منا في قراءة للشيخ منها.
أحاول الانتصار أيضاً للناس، كيف أحبته/ عاصرته/ سمعت عنه/ فهمته/ أو عايشت شيئاً يسيراً من عذاباته. أحاول الانتصار لرجال الدين الذين يجلسون الآن في الصفوف الأولى، هم يقرأون عبدالأمير الجمري بوصفه »العلامة« صاحب المعرفة الدينية. ولهم في ذلك حق.
أيضاً، أحاول الانتصار لطبقة التكنوقراط وأصحاب »البدل الرسمية« الذين لا يبارحون مأتم سار صبح مساء، هؤلاء يقرأون عبدالأمير الجمري لا بوصفه »رجل الدين« بل بوصفه رجل »المدنية« و«الإصلاح السياسي والاقتصادي«. ولهم في هذه القراءة حق.
أيضاً، أحاول الانتصار لطبقة ضحايا التسعينات، ولكل الفقراء والمحرومين، الذين لا يعرفون عبدالأمير الجمري إلا بوصفه »المناضل« »الحر«، يبدون معروفين في ردهات المأتم. صبروا في التسعينات كما صبر الجمري، نصروه كما نصرهم. ولهم في هذا الحضور حق.
أحاول الانتصار أيضاً، لمن يأتي من القيادة السياسية والوزراء والمسئولين النواب في مجلسي الشورى والنواب، هؤلاء جميعاً يعرفون عبدالأمير الجمري بوصفه ذلك »السياسي« الذي ساهم في البدء بالحركة الإصلاحية في البحرين. ولهم في ذلك أيضاً حق.
لا تستطيع طبقة من شتى الطبقات التي ذكرتها أن تدعي حيازتها الشيخ الجمري أو أن تفرض تملكها الفعلي له إرثاً أو بوصفه التمثيل الأوحد لها. لا يمكنك في مأتم سار أن تفرض رتماً واحداً يبسط سيطرته على المكان، هذا التنوع يستطيع أن يكسره رجل بسيط قد يجيبك إن سألته لما أنت هنا بأنه »لا يدري«!
سأحاول الولوج من هذه المقدمة للولوج إلى عبدالأمير الجمري »الإنسان« نفسه، إذ انتصر في النهاية إلى أن أفهمه بالطريقة التي هو يفهم نفسه بها، حينها سأكون أكثر قدرة على الحركة من دون أن أُحَاصرَ بقيد أي فهم قد يفرضه أحد المنتمين إلى تلكم الطبقات التي تعتقد أحقيتها في أن يكون الشيخ ممثلاً منها، ولها، وعنها.
أقر أولاً، أنه من الصعب فعلاً أن تقيم رابطاً متوازناً أو موضوعياً بين عبدالأمير الجمري »الإنسان« حين تحدث في حدود عائلته المهجرة وأبنائه المعتقلين وزوجته الصابرة من جهة، وبين عبدالأمير الجمري »القائد« الذي أمسك بزمام الأمور فترة التسعينات خصوصاً من جهة أخرى.
كاريزما معقدة، فما بين تعقيدها في الملف السياسي إبان فترة التسعينات وما قبلها من جهة وإنسانيته في الترابط الإنساني مع العائلة من جهة أخرى يخرج فقيدنا الكبير نموذجاً مفتوحاً للتحليل والتأويل. وهنا مفصل آخر من مفاصل ثراء هذه الشخصية وتنوعها. لم يكن الشيخ الجمري »حوزوياً« صرفاً، ولم يكن كذلك »سياسياً« صرفاً. ولم يكن »أباً« تقليدياً. وعليه، كانت لهذا الراحل فضاءات عدة، وفي كل فضاء ألق خاص، وصورة قارة من صور الإنسانية الفذة.
ما بين البدء في أجواء عباءة العائلة الأولى بين أخويه »علي« و«محمد«، ووالدته، وأختيه »نعيمة« و«زهراء« وبين التلمذة على الخطابة الدينية مع أبناء عمومته وصولاً إلى تكوين عائلته الثانية انطلق هذا الصبي من مجالس القراءة الحسينية ليدخل تجارب عدة في البحرين والنجف والإحساء والقطيف. أتاحت له هذه الرحلات الطويلة في طلب العلم الخروج بألمعية خاصة يرجعها الشيخ في أكثر من مرة بأنها »موفقية« خاصة.
سأحاول - في هذه العجالة أن استكملها في ملف خاص - الولوج في عبدالأمير الجمري »الإنسان« عبر نموذج من نماذجه الإنسانية، وهو رسالة استطاع الشيخ الجمري تسريبها من سجنه إلى عائلته، يعود تأريخ الرسالة إلى الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني 1996، إذ كان رهين المعتقل.
يقول الشيخ الجمري في رسالته إلى عائلته: »بسمه تعالى، قرة العين أم جميل، أعزائي وعزيزاتي، فسلام من الله عليكم ورحمة وبركات، وبعد: فأحمد الله سبحانه على عظيم نعمه علي، ومنها نعمة السجن، لتكفير ذنوبي، وإعلاء درجتي إذا شاء سبحانه، ومواساتي ومشاركتي لإخواني وأبنائي السجناء والغرباء، وحصولي على تربية نفسية عالية، وإتاحة فرصته كبيرة لعبادته سبحانه وتلاوة كتابه، فله المنة وله الحمد.
قرة العين، أحبائي، حبيباتي: ما أعظم شوقي إليكم، وما أشد حنيني لرؤيتكم، شوق الواله الحزين، وحنين المفارق والمعذب. وليكن ذلك، وليكن السجن، فما عسى أن يكون مهما عظم بلاؤه - في سبيل الله تعالى، وبسبب قضية عادلة، ومن أجل شعب عظيم وفي سبيل يستحق أن يفدى بأغلى الأشياء.
أحبائي بلغني ما حصل للحبيبة منى - زوجة ابن الشيخ الجمري المهندس محمد جميل عبدالأمير الجمري الذي كان معتقلاً أيضاً لقضاة فترة سجنه لمدة عشر سنوات - من اعتقال شهرين، وذلك بعد الإفراج عنها، وقد كدر هذا وجدي وضاعف ألمي، ولكن ذلك بعين الله تعالى.
بلغني مرض العزيز صادق ورقاده بالمستشفى عشرة أيام، وذلك بعد أن رخص، فلله الحمد والمنة على شفائه، وكفى وكفيتم كل بلاء.
بعد مرور 9 أشهر و12 يوماً في السجن الانفرادي جيء إليّ - بفضل الله ومنه - بالشيخ علي أحمد، فكان كالماء البارد على قلب الظمآن، في الحر الشديد، فلله الحمد والمنة.
أحبائي: لا تقلقوا، فالفرج قريب تلوح أمامي تباشيره ومؤشراته. أجل: سنعود بإذن الله تعالى، وستعود الابتسامة على الثغور الحبيبة، والراحة إلى النفوس المتعبة... وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا.
تحياتي لكل الأهل والأبناء وأبناء العم والجيران وتحياتي وأشواقي للغائبين جمع الله الشمل معهم، وإلى اللقاء، يا كل الأحبة، القريب القريب بإذن الله تعالى ودمتم محروسين«.
في استعراض سريع لفحوى الرسالة لابد من مراعاة ظهور الدلالات المباشرة لمفردات الشق العاطفي لدى الشيخ الجمري ( قرة العين - أحبائي - حبيباتي - للحبيبة »منى« - ما أعظم شوقي إليكم، وما أشد حنيني لرؤيتكم، شوق الواله الحزين، وحنين المفارق والمعذب - وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا)، الغريب في الأمر هو أن الرسالة - المهربة - كان من المفترض أن تحتوي على أية قيمة معلوماتية أو سياسية في خضم الظرف الذي كتبت فيه في السجن بعد ما لا يقل عن 9 أشهر و12 يوماً كما تورد الرسالة، لكننا نجد أن الشيخ في رسالته بدا مهتماً ومتأثراً ومبالغاً في تركيزه على الاهتمام بأجواء عائلته. على أن حدود العائلة في خطاب الشيخ هي حدود كبيرة، فهو وإن كان يركز على »زوجة ابنه منى، وابنه المريض صادق، والسجين المهندس محمد جميل« إلا أنه لا عن يغفل ذكر أبناءه الآخرين، يقول الشيخ: »مواساتي ومشاركتي لإخواني وأبنائي السجناء والغرباء« كما أنه لا عن عودته مفرداً بل يربط عودته بعودة أبنائه المساجين معه »أجل: سنعود بإذن الله تعالى، وستعود الابتسامة على الثغور الحبيبة، والراحة إلى النفوس المتعبة«، وفي مجمل هذا التعابير يظهر الشيخ شمولياً في قراءته للعائلة، فالعائلة ليست العائلة المكونة من زوجته وأبنائه وبناته، بل وتشمل زوجاتهم وجميع المعتقلين والمبعدين. وعلى رغم ذلك فإن صوغ الرسالة يوحي بخصوصية عائلية دقيقة، فهو لا يخاطب زوجته إلا واصفاً إياها بـ »قرة العين«، ولا يتحدث عن أبنائه وبناته وزوجات أبنائه إلا بصفات »الأعزة« أو »الأحبة«، يقول الشيخ: »وما أعظم شوقي إليكم«، ومن ظاهر القول فإن الشيخ الجمري كان لا يبدأ جل خطاباته للناس بعد الإفراج عنه إلا بذات الكلمات (اشتقت إليكم اشتياق يعقوب إلى يوسف)، وهو ما يصل إلى أنه كان يؤسس إلى اعتبار إحساسه بالأبوة تجاه أبناء البحرين إحساساً شمولياً كانت دلالته الكبرى ساعة نطقت المحكمة التي شُكلت بسجنه إذ اعتبر ذلك قليل أمام ما يعانيه المستضعفون والمعذبون من أبناء الشعب.
تظهر هذه الرسالة أبعاداً أخرى، وخصوصاً فيما يتعلق بإدراك الشيخ لـ »السجن« بوصفه »نعمة« وبوصفه المكان الملائم للتكفير عن الذنوب، وفي هذا السياق قراءة مختلفة في السياق الأيديولوجي الديني. محتويات الرسالة مضافاً إليها حديثه الطويل عن زوجته »أم جميل« وتضحياتها ووقوفها إلى جانبه في أيام الوجع تستحق منا الوقوف طويلاً، وسيكون لنا أن نقوم بذلك في الأيام المقبلة.

Posted by adel marzooq at 21:40:17 | Permanent Link | Comments (2) |

Wednesday, December 20, 2006

إني فقدتك

إني فقدتك فقد "الأب"

عادل مرزوق  - صحيفة الوسط البحرينية

[ لقيتك المرة الأولى في منزل »عمي«، جالساً تتحدث بصوتك المتعب الذي أرهقته السنون والأسر والبعد عن الأحبة. يقف في الخارج »قوم« ما قدروك حق قدرك ومنعوا دخولي بادئ الأمر لولا »الترجّي«. محاصراً كنت في مجلسنا كما كنت في بيتك. يا أبا جميل... كل البيوت »بيتك«. رحمى لقلبك، يستريح الآن هادئاً في تراب قريتك وفي قلوب محبيك.
سألتني يومها عن هويتي؟ وحين أخبرتك بنسبي، لازلت أتذكر ابتسامتك، وكلامك الكريم عن والدي. قلت لي يومها إنك تحبه، إنه صديقك. أسعدني حديثك عنه إلى ذلك الحد الذي لم أتذكر فيه أن أسألك عن معاناتك، كان حضورك مهيباً كريماً في »الحياة« كما كان غيابك عنا يوم أمس الأول مهيباً في »الموت«.
أمس الأول، تذكّرت والدي. فحين رأيتك - في المرة الثانية - تزور والدي في المشفى قبل وفاته كانت عيناك تنبضان بـ »الحب« وأنت تمسك بيديه. وحين خرجت، بكى والدي وبكيت »أنا« لبكائه، لم أسأله عن مدعاة بكائه إذ بادرني بالقول ساعتها: »إني أحبه«.
لكم حاولت أن أتحدّث إليك أيام مرضك، وددت طوال السنوات الماضية لو استطعت أن أخبرك بحب والدي لك، وبأني »أحبك« حبي لوالدي. أشد ما آلمني يوم أمس الأول هو أن والدي لم يكن موجوداً في خضم ذلك الحب الكبير لك. أما الذي خفف ذلك »الثقل« بنفسي فهو أنكما ترقدان في تربة واحدة.
أعلم أن حبي لك الـ »صغير« أمام حب الآلاف التي مشت خلفك تحملك أعناقها وقلوبها لمثواك، هو حب »بسيط« أمام بكاء والدي الذي زُرتَه يومها، ولعمري إن بكاء الرجل الكبير »صعب«.
ما أنت تستلب »الحب« في قلوب الناس؟ ما أنت تخلق الأنفاس »حرة« كلها »كرامة« و »عزة«؟ ما أنت مجبول من يراك ألا يستطيع إلا أن يحبك؟ ما أنت أيها الشيخ الجمري الذي يصنع »البكاء« في »النفوس« قبل »الأعين«؟
نم يا والد البحرين قرير العين، لَنشتَاقَن إليك اشتياق الفاقدين، ولنمسكن بقلوبنا، لا تمر على قبرك إلاّ مرور الأعزة الأباة »الصابرين«.
يا »والدي« ما هدأت عيناك إلاّ والناس حولك. وما أهالوا التراب عليك، أهالوا قلوبهم تنطق نطق الخرساء المذبوح قلبها. يا والدي بكاك أبناؤك وبناتك من حناجر لطالما هتفت باسمك »بالروح والدم... نفديك يا جمري«. يا والدي... إنا فقدناك فقد »الأب«، وإنا لفراقك لمحزونون.

Posted by adel marzooq at 11:53:12 | Permanent Link | Comments (3) |

Tuesday, December 19, 2006

إنا فقدناك فقد .... الأب

إذ ارتوت أرضه بماء سماه... لأنت يا "شيخ" سر ذاك "المطر"
توسد "الجمري" التراب... رفقاً به


الوسط - عادل مرزوق

أمسك يديك عن أن تكتب في "الشيخ" شيء لا يساميه عُلا. أمسك يديك، وذر حروفك تنثر وحيها. أي »بلاغة« على فقدك يا شيخ يجدي نظمها.
أمسك من أيامنا أوجاعها، ومن القرية الصغيرة الباكية أنفاسها، أمسك ما استطعت أن تمسك، جلباب وطن، أو حاول الإبقاء على ما تستطيع أن تبقيه من »وهن«، ما أجمل ضعفنا فيك يا »شيخ«، وما أروع قوتك فينا.
أمسك بعصاك إن الناس تعرفها، وامشِ الهوينا إلى البقاء هنا، لا تحسبن يا »شيخ« ترحل عنا. وطنك، أبناؤك، بناتك، أوراقك، كلماتك، وعصاك هنا. لا تحجب الشمس إن غادرتنا، إلينا.
تحية لجراحاتك الكبرى، لأوجاعك التي ما نطقت بها، لأنفاسك المُتعبة التي مازلتُ أسمعها مذ رأيتك أول مرة تعاني »الأسر«، لأيامك السوداء في زنزانة الظلم يسمعها التراب فيحييك بها، لمعترك أيامك في ساحة النضال يقرأها الأحرار والصابرون فيكبرون بها، تحية لكل »آهة« نطقت بها شفتاك ما انطفأت آهتك الجبارة تصنع لنا »الحرية«، وتبعث فينا كل معاني »الحب«.
تحية لمجلسك العامر منذ 1987 ما انفك عن استقبال المحرومين والمعذبين، تحية لك رجلاً قاضاه وطنه بالسجن، إذ كان ملهم هذا الجيل وربانه نحو الحرية والكرامة، عُد بذاكرتك يا »شيخ« لمطلع سبتمبر/ أيلول 1988، ماذا تفعل، تمسك بقلوب المساكين أن تقع، ويسيرون بك للسجن. تسير خلفك الأنفاس والعقول تطلب حريتها بك وفيك. هذه القرية قريتك، هذه الأرض أرضك، تعرفك جيداً. أكثر مما تعرفنا نحن العابرون من خلالك. أما سمعت يا »شيخ« عن المطر هز هذه الأرض، حياك يا »شيخ« ثلاثة أيام ونيف. قبل تحييك الأرض برملها القاسي، أهالت عليك السماء ماءها، قبل أن يُهال عليك تُرابنا نحن.
تبكيك يا »شيخ« أصداء وطن، أعوام وأعوام، يبكيك العام 1992 بعريضتك تمسكها وتتلوها، يبكيك العام 1994 بعريضتك الشعبية لا ترمي بحقوق أبنائك للتاريخ وحدها، ألا ترى يا »شيخ« أن أعوامنا كلها لك، ذاكرتنا المسلوبة بالحزن والوجع لك. خذها معك، وذر قلوبنا يا »شيخ« يستافها الكمد.
من يمسك بابن الشهيد هاني الوسطي إن غادرت يداك قلبه الصغير؟، من يمسك أنفاس أبناء الشهداء وأراملهم إذ يتقطعون خارج إكليل الزهر، لأنت إكليل الزهر الذي مضى عنا، هذا الطقس بارد، أنفاسك وحدها دفء، هذا الطقس الذي تخشاه عظامنا اللينة، دعها لنا فالطقس بعد أن تسكن تربتك قاتل لا يرحم.
ما بالها هذه الأضواء غير الأضواء، ما بال هذه النايات تبعث بالثاكلات على حافة الوطن، لا الثاكلات - وكل نسائنا ثاكلات - يصمتن عن البكاء، ولا الحزن يهدأ يدعهن في دعة الموت هادئات. الفقد هو الفقد، وفقدك يا »شيخ« أوجعنا. ارفعوا عن ثاكلات »الشيخ« ملامة البكاء، أو أجيبوا ... ماذا بقى؟
بالأمس ثلمت في البحرين ثلمة، لا يسدها شيء، فقدت البحرين رجلاً من رجالاتها التاريخيين الاستثنائيين، رجل حملت كفاه أمنيات شعب عانى »المر« ما أعجز الصبر. رجل مشى مشية الحرية والكرامة لم ترتضِ »الذل« وما أجدى معها »سلاح«.
رجل خاضت قدماه في الدفاع عن أبنائه وبناته، وكلما زادت عُرى الظلم زاد صوته جهرة بالحق، ما أثنته عن الوفاء بعهده »علة« أو »مرض«، وكان لزوجته وأبنائه وبناته أن يحملوا ضريبة »العهد« فوفى الجميع بعهدهم، واكتمل العقد... رجل ثقله يساوي وطناً و«حرية«.
من يحكي المعاناة يا »شيخ« من يحكي؟، ومن باستطاعته أن يروي عنك وما يبدي؟ سلوا جنبات السجن، سلوا جنبات البيت والطرقات تعرف حراسها، سلوا عن بكاء القوي الخائف، سلوا »أم جميل«، عن وقوفاتها بالباب تمنع عن زوجها رسل السجن، سلوا السبت الأسود، سلوا أبناءه وبناته، سلوا القرية التي ما وهنت في معترك النضال والحرية خانعة أو ذليلة، سلوا الأطفال والشيوخ والشباب فيها، سلوا البحرين أرضها، سماءها، أيامها ولياليها.
وذروا التراب عليه برفق، لا تزعجوا الشيخ في ترتيله عهده الذي أوفى به.

Posted by adel marzooq at 13:34:43 | Permanent Link | Comments (2) |

Sunday, December 17, 2006

لا تتذكر يا شهيد

لا تتذكر أيها الشهيد أجزاءك المقطعة، لا تتذكر جدار زنزانتك أو هراوات القسوة فوق ظهرك في الطقسين، ولا تطلب إكليل زهر يضعه البحرينيون عند قبرك هذا المساء، فأجواء الحرية أيها الشهيد منعتنا أن نتذكر قدميك الباردتين بلا غطاء، منعتنا أن نتكلم عن حبك الذي خلقنا للحياة أعزة كرماء.. سلام عليك في هذا اليوم وفي كل يوم.. سلام على روحك الزاهرة بالأنفة والكرامة، هذه الأرض أرضك قم والتقطها، فزمن الحرية الجديدة يخنق أنفاسها عنوة

 

Posted by adel marzooq at 17:19:11 | Permanent Link | Comments (0) |
1 2 3